عاشوراء، بين الارتقاء نصرًا... والارتقاء شهادةً!

عاشوراء، بين الارتقاء نصرًا... والارتقاء شهادةً!
يحل ُّعلينا شهر الله المحرَّم، وهو شهر مواجهة الباطل التي مآلها النصر أو الشهادة.
وقدَّر الله تعالى أن يكون في اليوم العاشر من محرَّم (عاشوراء) - الذي قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله" (رواه مسلم) - ظهور إحدى ثمرتَيْ هذه المواجهة: 
- عاشوراء النصر: حين نصر الله تعالى موسى (عليه السلام) على فرعون الطاغية بعد سنوات من الاضطهاد والظلم والاستعباد والتسلُّط والتعذيب، وأوْرَث الله المستضعفين الأرضَ بما صبروا. فالله يُمهِل ولا يُهمِل. فكان شكرُنا لله تعالى بتشريع صيام عاشوراء.
- عاشوراء الشهادة: حين وقعت حادثة أليمة باستشهاد سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة سيدنا وإمامِنا الحسين بن علي رضي الله عنهما.

ونحن في مجتمعنا اللبناني المتنوِّع، علينا أن نتحصَّن بالوعي العام لهذه الأحداث، بمعرفتها ومعرفة مواضع الاتفاق فيها بين جميع المسلمين، ونعرف العِبَر الواجب استلهامها منها معًا، فنُعزِّز طرحهنا، وبخاصة شبابنا في حواراتهم المدرسية والجامعية والمهنية والسكنية ومواقع التواصل الاجتماعي.
إنَّ الحُسين (رضي الله عنه) سيدنا وإمامنا وشهيدنا، سبط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وريحانته من أهل بيته الذين أوصانا بهم (رضي الله عنهم) بقوله: "أذكِّركُم الله في أهل بيتي". (رواه مسلم). نشأ بين الصحابة، وتزوَّج منهم، وسمَّى أبناءه على أسمائهم (ومنهم ولداه: أبو بكر وعمر)، كما سمَّى والده سيدنا عليّ رضي الله عنه قبله أبناءه أبو بكر وعمر وعثمان. والصحابة هم أنفسهم مَن روَوا الأحاديث في فضائل أهل البيت ومكانتهم، ومنهم أبو هريرة والسيدة عائشة رضي الله عنهما. فلم تكن هناك خصومات بين الصحابة وآل البيت، ولا مبرِّر تاريخي لافتراض ذلك. ثم كانت الفتنة التي أنهاها إمامنا الحسن (رضي الله عنه)، فبايع هو وأخوه الحسين معاوية رضي الله عنهما حقنًا لدماء جميع المسلمين. وهذه المشاهد من علاقة الحسين (رضي الله عنه) بالصحابة تُظهِر اللُّحمة والمحبة بين الصحابة وآل البيت (رضي الله عنهم).
 
فمن أين تبدأ قصة عاشوراء؟ 
إنها تبدأ من رفض الحسين (رضي الله عنه) لبيعة يزيد خليفةً للمسلمين كونها مخالفة لسُنَّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بيعة الخلفاء وتُضيِّع حق الأمة الحرّ في اختيار خليفتها. وعندما مات والده معاوية، حاول يزيد إجبار الحسين على البيعة. وحينها فقط بدأت تحرُّكات الحسين، فنوى الخروج إلى الكوفة التي دعاه أهلها للتحصُّن بها. هنا نصحه الصحابة - وفي مقدِّمتهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) - بما يحفظه، أن لا يخرج إلى قوم لا أمان عليه فيهم، لكنه أصر خشية أن يُطارده يزيد في الحَرَم فينتهك حرمته.
ثم كان ما كان بين الحسين (رضي الله عنه) وأهل الكوفة، فقد عاهدوه ثم أخلفوه، ووعدوه ثم خذلوه، بل خرج بعضهم مع جيش أمير الكوفة لمواجهته. عندها فضَّل الحسين (رضي الله عنه) الثبات على مبدئه - بعدم مخالفة سُنَّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بيعة الخلفاء ليحفظ للأمة حقَّها الحرّ في اختيار خليفتها - على ذُلِّ الخضوع والقهر، فارتقى في المعركة شهيدًا.
فمَن كان المسؤول عن هذه الحادثة الأليمة؟
إنها خمس جهات ليس بينهم الصحابة أو جمهور الأمة:
1. أهل الكوفة: الذين كاتبوا الحسين (رضي الله عنه) ومنُّوْه بالخروج إلى الكوفة، فخذلوه ثم انخرطوا في قتاله. وقد كفَّر كثيرون منهم عن ذنبهم باستشهادهم بعد سنوات في مواجهة جيش الخليفة رغم قلَّتهم.
2. والي الكوفة والبصرة عبيد الله بن زياد: الذي كان واليًا ظالمـًا قبيح السريرة شاتمًا للصحابة مُبغِضًا لأهل البيت، وهو الذي أمر بقتال الحسين (رضي الله عنه) إذا رفض الخضوع، ثم فرح بمقتله. ونحن نتفق مع كل الطوائف على رفض سلوكه ونتبرأ منه.
3. جيش الكوفة: الذي حاربه وقتله لتحصيل منافع زائلة أو مناصب أو دفع تُهَم، فسايروا الفساد حولهم.
4. القاتِل المباشِر: الذي طعن الحسين (رضي الله عنه) وأجهز عليه، وقد اختُلِف فيه بين عدة أسماء.
5. يزيد: الذي لم يُوجِّه ابن زياد بعدم قتل الحسين، ثم ترك القتلة، فثارت الفتن بعد ذلك مجدَّدًا. 
وقد انتقم الله تعالى من كل مَن شارك في قتل الحسين (رضي الله عنه)، فلم يبق منهم أحد - كما روى الزهري - إلا عوقب به في الدنيا إما بقتل أو عمى أو سواد وجه أو زوال مـُلك، وذلك في مدَّة يسيرة، وأكثرهم أصابه الجنون.
لقد كان خروج الحسين (رضي الله عنه) إيقاظًا للمجتمع من غفلته، وعلينا أن ننتهز أجواء عاشوراء في لبنان لنتذكَّر خمسة دروس:
1. أول نتيجة نستخلصها أن لا نتَّصف بالسلبية في مجتمعنا. فلا نغفل أو نتغافل عن تحديد موقفنا من قضايا قِيَميّة وإنسانية مشتركة، لحماية الكرامة الإنسانية والحفاظ على العدالة الاجتماعية. فإنَّ في افتقادهما مفسدة مُنكَرة، وفي حياتنا اليومية العديد من الأمثلة التي تُصادفنا، وعلينا أن نتَّخذ فيها موقفًا يُعبِّر عن إيجابيتنا.
2. الثبات على الحق والتضامن مع أهله، فالحق هو المنتصر في النهاية، فإما أن يرى النصر جيل الثبات كما حدث مع موسى (عليه السلام)، أو يراه مَن يخلفه كما حدث مع الحسين (رضي الله عنه). فلا نيأس حين نرى ما يحدث في الأمة من مظالم رغم قتل الضعفاء والشرفاء ونهب الثروات والممتلكات.
3. مواجهة الباطل. فرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجَّهنا أن نُنكِر المنكَر، من إنكار ٍبالقلب عند الضعف وذلك أضعف الإيمان، إلى إنكاره بالكلمة للمتساوين، إلى إنكاره باليد لـمَن للمسلم ولاية عليه كأسرته كتوجيه أبنائه وبناته في ثقافتهم ولباسهم وعلاقاتهم، فـ"كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته".
4. بغض الخيانة والاطمئنان لعقوبة الله تعالى عليها، فتستقيم النفس وتتوازن بين راحة المظلوم، وحذر المقارب للظلم أن يظلم فينجو، ومجازاة الظالم.
5. التحلِّي بالصبر على مصيبتنا، وأن لا نقول فيها إلا ما يُرضي ربنا: "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون"، دون مبالغات في الأقوال أو الأفعال أو المعتقدات.
وختامًا، هذه توعية عامة لشبابنا، وللحوار المتكافئ مع الجميع في مجتمعنا بمناسبة عاشوراء. وإن تدبُّر دروس عاشوراء يُربِّي مجتمعًا مسؤولاً ثابتًا مواجهًا يرفع لواء الكرامة والعدالة، وهذا هو سبيلنا لتحرير أنفسنا وبلادنا ومقدَّساتنا.
 
بقلم: الشيخ الدكتور أمير سوبرة

الاشتراك لاستلام النشرة الشهرية عبر البريد الالكتروني

 
تابعنا
رسالة تتوارثها الأجيال
حسبُنا أنَّا حملنا الرسالة راغبين إلى الله أن يتقبَّلها منّا، ونعمل لتحميلها لمن خلفنا بكلِّ جدّ، إنها رسالة تتوارثها الأجيال
تبرع
الإرشاد و الإصلاح على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة 2020 |