حلول في عين الأزمة

حلول في عين الأزمة

تدوينة بقلم: الاخصائية التربوية هبة فليفل

  

وكأننا دخلنا في حلم غريب لم نرَ مثله من قبل؛ مشاهده، الأحاسيس المرتبطة به، تأثيره علينا، وتأثيره على مفاصل حياتنا. وفي خضم هذه الفوضى من الدمار والخراب والرُّعب، كان أطفالنا يختبرون هذه الكارثة التي حلّت بنا دون أن نكون نحن قد تجهَّزنا لها وجهّزناهم للتعامل معها. من المؤكد أننا لم نكن نرغب أن يمرَّ أولادنا بهذه الأزمة القاسية عليهم من رعب الموت وخوف الإصابة، إلى حزن فقدان الأهل أو المنزل، إلى فقدان كل هذه الأمور مجتمعة. 

لكن من واجبنا كأهل أو مُربّين أن ننفض عنا ثِقل الإحباط واليأس، وأن نعود لنمسك بأيدي أولادنا، ونهتم بأنفسنا وبنفسياتهم كمحاولة لتخفيف التأثير، ووضع دعائمَ قوية لتصحيح التصدُّع النفسي الذي ألمّ بنا وبأولادنا. لكننا لن نستطيع مساعدة غيرنا إن لم نساعد أنفسنا أولاً ونصمّم على مساعدة من يرتبطون بنا ثانية. 

من هنا كان لا بد من النظر إلى الخطوات العلميّة والعملية في التعاطي مع المشكلات النفسية التي تنتج عن هكذا صدمة فريدة لم تحصل إلا 4 مرات في تاريخ البشرية الحديث. 

  

ينقسم الأطفال بداية إلى خمس فئات عمرية، وتنقسم معها ردة فعلهم للكوارث: 

  • الأطفال الرضّع وحتى عمر سنتين: قد تظهر عليهم كثرة التوتر أو كثرة البكاء: في هذه الحالة يجب احتضانهم أكثر من قبل، ومحاولة إعطائهم شعوراً بالأمان حتى يزول تأثير الصدمة (الغناء لهم عند الاحتضان – قراءة قصص). 

  • من عمر3 سنوات وحتى 6 سنوات: قد تظهر على هذه الفئة العمرية حوادث تبوّل لا إرادي نهاري وليلي، نوبات غضب، خوف من الابتعاد عن الأهل، الخوف من الظلام، الخوف من الأصوات العالية الفجائية، ومصّ الإصبع. في هذه الحالة علينا التحلّي أولاً بالصبر ومساعدة الأطفال تدريجياً على التغلُّب على هذه المخاوف عبر التعاطي بهدوء معها وتبديدها (سأكون بجانبك دائما – أنا معك لحمايتك – سأبذل جهدي كي لا تتأذى). 

  • من عمر 7 سنوات وحتى 10 سنوات: قد تظهر عليهم حالات من الحزن، الغضب، والخوف من حدوث الكارثة مرة ثانية. يجب إعطاء الشعور بالأمان عبر قضاء وقت كعائلة حتى في ظل الخراب (العمل معاً على إعادة ترتيب الأغراض المبعثرة، وتأمين طعام الطفل المفضل قدر المستطاع). 

  • من عمر 11 سنة وحتى 18 سنة: هذه الفئة العمرية قد يظهر عليها الخوف من الخروج من المنزل، كثرة النقاشات، وكثرة الخلافات الحادة مع الأخوة. على الأهل هنا التقليل من المتابعة الدائمة للأخبار، وإعطاؤهم أجوبة صادقة عن حقيقة ما حدث مع التمسك بالمبادئ الأساسية للعائلة. أفضل وسيلة لمساعدة هذه الفئة للتغلب على الفوضى النفسية التي سيتعرضون لها هي عبر الإنصات لهم في التعبير عن مشاعرهم ماذا تشعر – ماذا سمعت من رفاقك- ماذا تحتاج من مساعدة – التشجيع على العمل التطوّعي للمجتمع كلّ حسب قدراته – إعطاء دعم نفسي لمن عانوا مثلنا)  

  • الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة: إعطاء جرعة مكثفة من الأمان والاطمئنان، راحة، اهتمام.. 

  

بالإضافة إلى كل هذه النقاط العلمية، هناك بعض الأمور التي تساعدنا في التخفيف من حِدَّة هذا التأثير السلبي، وذلك عبر مساعدة الأولاد على كتابة مشاعرهم أو رسمها أو التعبير عنها بأية وسيلة يريدونها. كما علينا أن نسعى لنسهّل لهم الفرصة للعب مع أقرانهم لأن هذا سيجعلهم يتحدثون بما حصل ويفرِّغون كل ما تُخفيه أنفسهم من قلق وهمّ وتساؤلات لا إجابات لها. 

  

إن لعب الأولاد مع بعضهم هو المخرج الذي سيُخفِّف حِدَّة التوتر عندهم ويجعلهم قادرين على التعاطي مع حالات مماثلة في المستقبل. 

 طريقتنا كأهل ومُربّين هي المثل الذي سيتبعه هذا الجيل. علينا أن نراقب وندير تصرفاتنا لتكون ردَّة فعلنا إيجابية قدر المستطاع. 

 مهمتنا في هذه الفترة هي التمكين الشخصي لكل طفل وشاب، ومساعدته على إدارة مشاعره بطريقة بنّاءة حيث يكون هو مسيطراً عليها، وليس العكس. 

علينا أن ننظر إلى هذه الفترة بطريقة عملية ونكون مرنين في تحديد الأولويات والمحافظة على الإنسان بالدرجة الأولى، لأن ما حدث في 4 آب 2020 دمّر الحجر وأخذ عدداً من البشر. ومن واجبنا - كما نسعى إلى تصليح زجاج تكسَّر أو منزل تصدَّع - أن نسعى أولاً لترميم النفس التي تحطّمت ونعيدَ ترميمها لأنها هي من ستعيد وطننا إلى ما كان عليه. 


الاشتراك لاستلام النشرة الشهرية عبر البريد الالكتروني

 
تابعنا
رسالة تتوارثها الأجيال
حسبُنا أنَّا حملنا الرسالة راغبين إلى الله أن يتقبَّلها منّا، ونعمل لتحميلها لمن خلفنا بكلِّ جدّ، إنها رسالة تتوارثها الأجيال
تبرع
الإرشاد و الإصلاح على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة 2020 |