مش مستحيل

مش مستحيل

بقلم الأخصائية التربوية هبة فليفل

 

فجأة، ودون سابق إنذار، استفقنا على عالم جديد لا يشبِهُ الذي عشناه بالأمس القريب. عِشنا حقبة من الأحلام، مليئة بالعطايا التي لم نُلقِ لها بالاً. عِشنا حقبة وجود كماليات كثيرة احتسبناها من الضروريات ونسينا أننا لم نكن نملكها يوماً.

 في الثمانينات، عاش الكثير منا ضمن عائلات لا تملك خدماً، وتقوم بنفسها بالأعمال المنزلية. اشتهرت هذه الحقبة بوجود مساعِدات أو ما كنَّ يُعرَفنَ بـ "اللفّايات" اللواتي يُساعِدن السيدات في المنازل بمعدّل يوم أو يومين أسبوعياً على أبعد حد.

 كان أفراد الأسرة يتعاونون في الأعمال المنزلية ولكلٍّ منهم دوره. كنا نرتاد المدارس والجامعات، وكان أهلنا يعملون (رجالا ونساء)، وكنا نذهب في نزهات إلى البرية وننقلُ نصف حاجيات المنزل ونعود مساء ونمضي نصف الوقت ونحن نعيد كل شيء إلى مكانه.

ولكن... كنا سعداء، وكنا نعمل سوياً ولا نتذمر.

 ما الذي تغيَّر؟ جاءت "موضة" الخدم الأجانب وأصبحنا جميعنا نريد خدما. الكثير منا كان يحتاجها والبعض استقدَمَها إما غيرة أو تقليدا. للأمانة، لقد ساهم الكثير من هؤلاء الخدم في تسهيل أمور الكثير منا، وعند البعض كانت الضرورة المَرَضية توجِب استخدام البعض، وكان لبعض الخدم أيادٍ بيضاء على عدد كبير من العائلات.

 ولكن السؤال المهم: هل عاملناها كمساعِدة أم بالغنا في السيطرة؟ هل كنا فعلاً بحاجة إليها؟

 وجاء عام 2020 يحمل معه انتهاء هذه الموضة لأسباب كثيرة نعلمها كلنا، وبدأ العد العكسي لرحيل أكثر من 60% من هذه العاملات فوقعت الكارثة ما العمل؟

 دخلنا في نفقٍ من الضَّياع والخوف والتوتُّر، وكل هذا سببه فقدان نعمة وجود الخدم. ولكن هل هذا الأمر يستدعي كل هذا الخوف؟ هل خِفنا من الأعمال أم من البقاء وقت أكثر في المنزل أم من الحرية التي سُلِبت منا؟

 ولكنني قلت سابقاً لقد عشنا حقبة الثمانينات بدون خدم وأظن أن عندنا من العقل وقوة التدبير للعيش بدون خدم مرة أخرى. كل ما يستدعيه الأمر تغييراً في طريقة التفكير واستحضار أفكار بديلة لهذه الحاجة الأساسية.

 سؤال يطرح نفسه: هل أعدَدنا أولادنا ليخدموا أنفسهم؟ هل أعددنا فتياتنا ليخدمن أنفسهن؟ أظن أن الجواب الصريح هو لا.

 بالنظر إلى المدنِيَّة والتطور من حولنا وسهولة السفر، لا أظن أن أحداً منا لم يختبر السفر إلى بلد أوروبي أو أميركي، ولنكون صادقين مع أنفسنا كيف كانت حياة مَن زرناهم في تلك البلاد؟

 هل عدد الخدم الأجانب في المنازل يوازي حتى ثُلث ما نملكه نحن؟ بالطبع لا.

 نحن في كل يوم نرسل أولادنا إلى بلاد الغرب للتعلُّم، وهناك يختبرون الأعمال المنزلية اليومية الروتينية من سهولة رمي النفايات إلى صعوبة تنظيف المراحيض، وما يدهِش أنهم لا يتذمَّرون.

 لماذا؟ وكيف يستطيعون؟ وكيف يتعلَّمون هذه المهارات؟ إنها الحاجة والوقوف أمام المسؤولية، إنها الضرورة.

ولكن عندما يعودون تذهب كل هذه المهارات في بحر حنان الأم والأب.

 وبالعودة إلى المدنِيَّة والتطوُّر، لقد رأيتُ بأمّ العين في ولاية أميركية، إمراة عاملة تحمل بيد مجموعة من الكتب وباليد الأخرى تجرُّ مستوعباً للنفايات الذي كانت قد وضعته في مكان ليتم تفريغه من قِبل شركات النفايات، مع توجيه ابنتها ذات الخمس سنوات بالكلام فقط كي تلحقها إلى المنزل.

 وشاهدتُ موظفة في مكتب محاماة تذهب كل يوم من السابعة صباحاً إلى عملها وتعود في السادسة مساءً، وتقوم يوم السبت بتنظيف المنزل بالكامل، ولا ينقص هذا شيئاً من إنتاجيتها.

 وشاهدتُ زوجين يتساعدان في تنظيف حديقة منزلهما من أوراق الأشجار يوم الأحد لأكثر من ثلاث ساعات بدون مساعدة خدم.

 كيف يستطيعون ذلك؟ ولماذا لا نستطيع؟

كيف لا يتذمَّرون؟ ولماذا نتذمر؟

 هل نحن مستعدون للتغيير؟ مِن المؤكد أن حياتهم تحوي الكثير من التسهيلات والحقوق الأساسية ومن الضروري أن ندرك أننا نحتاج إلى تغييرٍ في نمط حياتنا لأن النِّعم التي تمتَّعنا بها آن وقت رحيلها.

 هناك تحوُّل محوري يدخل حياتنا. فهل نحن مستعِدون للتعايش معه؟ التغيير يبدأ من الفكر وينسحب إلى مفاصل حياتنا. إنَّ هذا التغيير قسريّ، فلنجعله سهلاً عبر استنباط أفكار تؤمِّن فرص عمل للبنانيين ضمن أطر قانونية تحفظ للعامل كرامته وحقوقه، وللمستخدم حقه وراحته.

 لنجعل "موضة" استخدام عمال لبنانيين يتكلمون لغتنا ويعرفون عاداتنا وطبيعة العمل في منازلنا منتشرة في أوساطنا حتى لا نكون رهن أزمات خارجية.

 لقد فعلناها سابقا، ألا نستطيع أن نفعلها الآن؟ طبعا نستطيع لأنه "مش مستحيل".


الاشتراك لاستلام النشرة الشهرية عبر البريد الالكتروني

 
تابعنا
رسالة تتوارثها الأجيال
حسبُنا أنَّا حملنا الرسالة راغبين إلى الله أن يتقبَّلها منّا، ونعمل لتحميلها لمن خلفنا بكلِّ جدّ، إنها رسالة تتوارثها الأجيال
تبرع
الإرشاد و الإصلاح على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة 2020 |