رمضانُ هذا الزمان

رمضانُ هذا الزمان
"رمضانُ هذا الزمان"
بقلم: أ. سهاد عكيلة


كثيرون منا تمنَّوا أن تنتهي أزمة كورونا قبل مجيء رمضان. ولطالما تضرعنا إلى الله لننعم بشهرنا كما اعتدنا، وجاء مراد الله على غير ما تمنينا، ليزورنا رمضان في زمن الوباء ولنصبح شهود أعيان على زمانٍ سيكون علامة فارقة لدى الأجيال اللاحقة، ولنختبر شهر صومٍ مختلف بجميع المقاييس.
نعم، فرمضان في زمن كورونا أضفى على العبادة بُعداً متميزاً. فقد منحنا فرصة أن نكون بإذن الله كالمهاجرين إلى رسول الله ﷺ: "العبادة في الهَرْج كهجرة إلي" (رواه مسلم)، أي في وقت الفتن واختلاط الأمور. وهل هناك ما هو أكثر إرباكاً مما نعيشه اليوم! في هذا التوقيت يأتي رمضان ليَعظم ثوابنا: فالصوم الذي ادخر ربنا ثوابه لنفسه سبحانه: "الصوم لي وأنا أجزي به" (رواه البخاري)، نؤديه قُربةً إلى الله تعالى في زمن الفتن؛ فنجمع بين عبادتَي الصوم والصبر على البلاء والتزام نهج الله ورسوله ﷺ في التعامل معه، ونحظى بهجرة إلى نبينا العظيم.
رمضان في زمن كورونا أعطانا عيّنة شعور مشتركة - في الاسم فقط - مع كل مظلوم خلف القضبان. سنجرب معهم رمضان ونحن محتجَزون، وقد خبِروه لعقود.
وها هو الخير قد كثر بين الناس، لأنه نابع من شعور تضامن الخائف على أخيه من الجوع، فقد حبسه الوباء عن تأمين قوت يومه. فنحن نشهد جميعاً هذه الحركة الرائعة من حركات التكافل الإنساني الاجتماعي والدعم النفسي التي زادت في شهر الخير والعطاء، كلٌّ يسعى لمَدِّ يد العون، كلٌّ – بحسب استطاعته - يُبدِع في بذل وقته وجهده وعِلمِه ومالِه ليعمَّ الخير الجميع.
مساجد رمضان قد أُفرِغَت من رُوَّادها في زمن كورونا. نعم... غير أن البيوت قد امتلأت بأنوار العبادة، واجتمعت العائلة على صلاة التراويح، واختبروا أجواء ومشاعر لم يعرفوها من قبل. وها هم السائرون إلى الله يجتهدون في التعويض وهم موقنون بأن الله الذي قَبِل عبادتهم وهم في المساجد، سيقبلها مضاعفة وهم في بيوتهم يجمعون مع أجر القيام أجراً من نوع آخر... إنه أجر الحرص على الصالح العام والإسهام في الحد من انتشار الوباء.
صحيح أن الإنسان لا يطلب البلاء ولا يتمناه ويسأل الله العافية، فأما وقد نزل، علينا التأدُّب بآدابه، والنظر إلى حِكَمِه ومآلاته، والتصرف وفق الواقع الذي يفرضه، دونما تسخّط أو اعتراض. فقد جاء رمضان هذا العام ليُعلّمنا بأن المِحَن تنطوي دائماً على مِنَح؛ هذه سُنة الله في خلقه.
ولعلكم تراقبون الحركة الدؤوبة التي يشهدها الواقع الإلكتروني؛ بعد أن كان الناس في بداية الأزمة مرتبكون يظنون أن الوباء حبَسهم وحبس عنهم كل خير، وكفّ حركتهم عن العطاء، فإذا به يشكِّل فتحاً جديداً لم نشهد له مثيلاً ونحن أحرار طُلَقاء، لتُقبِل الجمعيات - وكذلك المتخصصون - على تنظيم اللقاءات والمحاضرات وورش العمل في مختلف العلوم والفنون، لإفادة الناس في زمن الحَجر، فغَدَت وسائل التواصل كخلية نحل في الحرص على الإنتاج. وهذه مِن مِنح كثيرة أكرمنا المولى بها، والعاقلون يدركون تماماً أن المزيد من عطايا الله قادم بإذنه تعالى.
وكم تاقت نفوسنا إلى تلاوة متدبرة وقد حجزتنا وظائفنا وأعمالنا عنها. ها نحن نكسب فسحة للتأمل، للتدبر، للفهم.. لتستوقفنا الآيات بجمالها وإعجازها.. ولعلنا هنا نحظى معاً بوقفة أختم بها سياحتي مع المِنَح في زمن الأزمة.
ستقرأ يا تالِيَ القرآن آياتٍ ستجعلك تتنفس عميقاً راحةً وطمأنينة. نعم... إنها آيات العفو والمغفرة واللطف الإلهي، وآيات تحبس أنفاسك ثمّ تطلِقُها طرباً وشوقاً. هي تلك التي تخبرك عن الجنة بكل تفاصيلها؛ حيث الفرح الخالد. ستُدهشك آيات تتنفس لها انبهاراً. إنها آيات التفكر في الأنفس والآفاق. وستستوقفك أخرى، هي تلك التي تجعلك تقدح في رأسك زناد الفكر ليدهشك خطابها العقلي، وتستمتع بتتبع الأدلة والحجج والبراهين، وآيات تملؤك اعتزازاً بانتمائك لهذا الدين، تلك التي تشرح العقيدة بمختلف أبعادها، وتتحدث عن ثبات المؤمنين، وتضحيات أتباع الرسل، ونصرة الله لهم، وآيات تزيدك إعجاباً بالمنهج الإسلامي، هي التي تعلّمك الذوق الإنساني الرفيع أو ما يُعرف بـ "أناقة الروح". وهناك آيات تهزّ الوجدان وتُزلزِل الكيان... هي قصص عذاب الأقوام الذين أهلكهم الله بالاستئصال، وتلك التي تتحدث عن جهنم وصِفات سكانها- أجارنا الله منها.
لتقف مذهولاً منبهراً، ولتدرك بحق أنه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}، ولتعلم بعد وقفة التأمل هذه أن الله الذي أهداك هذه المعجزة الخالدة – قرآننا العظيم – وَمَنَحك عمراً وفرصة لتستدرك ما لم تتذوقه بعد من جمال آياته، وأرسل لك الابتلاءات لتعلِّمَك وتربّيك وتؤدِّبك وترتقي بك، قادر على أن يُخرجك من هذه المحنة التي عشت جزءًا منها في رمضان – مدرسة العابدين، ثم لتدرك حِكم الله البالغة من هذا الوباء الذي عمّ الكون، ولتفهم أن الله قادر - في التوقيت الذي يريده، وكذلك في الكيفية - على أن يأتيَ بعباده جميعاً ويُخضعهم لسُلطان جبروته سبحانه مهما استطال أمرهم وعَظُم شأنهم في عين أنفسهم، ومهما أبحروا في علوم هذا الكون، ليؤكد لهم أنهم ما أوتوا من العلم إلا ذلك القدْر اليسير الذي منحه لهم سبحانه وتعالى.
وبعد، متأكدة أن المِنَح التي سُقتُها هنا ستزيدَ عليها - أيها القارئ الكريم - المزيد من تجاربك ومِن مشاهداتك ومن الفتوحات التي سيفتحها الله عليك، لتعلم أنه ما أغلق - الحق سبحانه - باباً إلا فتح أبواباً، ولتشكرَ المولى أنك كنت من الذين خصَّهم الله بشهود رمضان في هذا الزمان.

الاشتراك لاستلام النشرة الشهرية عبر البريد الالكتروني

 
تابعنا
رسالة تتوارثها الأجيال
حسبُنا أنَّا حملنا الرسالة راغبين إلى الله أن يتقبَّلها منّا، ونعمل لتحميلها لمن خلفنا بكلِّ جدّ، إنها رسالة تتوارثها الأجيال
تبرع
الإرشاد و الإصلاح على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة 2020 |